الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

126

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

مهينا واعتدنا ذلك للكافرين أمثالهم ، وتكون جملة : وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ معطوفة أيضا على جملة الَّذِينَ يَبْخَلُونَ محذوفة الخبر أيضا ، يدلّ عليه قوله : وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً إلخ . والتقدير : والذين ينفقون أموالهم رثاء الناس قرينهم الشيطان . ونكتة العدول إلى العطف مثل نكتة ما قبلها . ويجوز أن يكون الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بدلا من ( من ) في قوله : مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً [ النساء : 36 ] فيكون قوله : وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ معطوفا على الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ، وجملة وَأَعْتَدْنا معترضة . وهؤلاء هم المشركون المتظاهرون بالكفر ، وكذلك المنافقون . والبخل - بضمّ الباء وسكون الخاء - اسم مصدر بخل من باب فرح ، ويقال البخل - بفتح الباء والخاء - وهو مصدره القياسي ، قرأه الجمهور - بضم الباء - وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف - بفتح الباء والخاء - . والبخل : ضدّ الجود وقد مضى عند قوله تعالى : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ في سورة آل عمران [ 180 ] . ومعنى و يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ يحضّون الناس عليه ، وهذا أشدّ البخل ، قال أبو تمّام : وإنّ امر أضنّت يداه على امرئ * بنيل يد من غيره لبخيل والكتمان : الإخفاء . و ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يحتمل أنّ المراد به المال ، كقوله تعالى : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [ آل عمران : 180 ] ؛ فيكون المعنى : أنّهم يبخلون ويعتذرون بأنّهم لا يجدون ما ينفقون منه ، ويحتمل أنّه أريد به كتمان التوراة بما فيها من صفة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فعلى الاحتمال الأوّل يكون المراد بالذين يبخلون : المنافقين ، وعلى الثاني يكون المراد بهم : اليهود ؛ وهذا المأثور عن ابن عباس . ويجوز أن تكون في المنافقين ، فقد كانوا يأمرون الناس بالبخل هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا [ المنافقون : 7 ] . وقوله : وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً ، عقبه ، يؤذن بأنّ المراد أحد هذين الفريقين . وجملة : وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً معترضة . وأصل و أَعْتَدْنا أعددنا ، أبدلت الدال الأولى تاء ، لثقل الدالين عند فكّ الإدغام باتّصال ضمير الرفع ، وهكذا مادّة أعدّ في كلام العرب إذا أدغموها لم يبدلوا الدال بالتاء